الثعلبي
41
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ، فكبّر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تكبير فتح ، وكبّر المسلمون معه . فأخذ بيد سلمان ورقى . فقال سلمان : بأبي أنت وأمي يا رسول اللّه لقد رأيت شيئا ما رأيت مثله قط ! فالتفت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى القوم فقال : رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا : نعم يا رسول اللّه [ بأبينا أنت وأمّنا وقد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج ، فرأيناك تكبّر فنكبّر ولا نرى شيئا غير ذلك ] « 1 » قال : ضربت ضربتي الأولى ، فبرق الذي رأيتم ، أضاءت لي منها قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل ( عليه السلام ) أنّ أمتي ظاهرة عليها ، ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور بصرى من أرض الروم كأنّها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل ( عليه السلام ) أنّ أمتي ظاهرة عليها . [ ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب ، وأخبرني جبرائيل أنّ أمتي ظاهرة عليها ] « 2 » فأبشروا . فاستبشر المسلمون ، وقالوا : الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا النصر بعد الحصر . [ فطبقت الأحزاب فقال : المسلمون : هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ « 3 » الآية ] . وقال المنافقون : ألا تعجبون يمنّيكم ويعدكم الباطل ، ويخبركم أنّه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى ، وأنّها تفتح لكم وأنتم إنّما تحفرون الخندق من الفرق لا تستطيعون أن تبرزوا ، قال : فأنزل القرآن : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً « 4 » وأنزل اللّه في هذه القصة قوله تعالى : قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ « 5 » . واختلف النحاة في وجه دخول الميم في هذا الاسم وأصله ( اللّه ) وفي نصبه . وقال بعضهم : إنّما أدخل الميم في آخره بدلا من حرف النداء المحذوف من أوله ؛ لأنّ أصله ( يا اللّه ) فحذفت حرف النداء وأدخلت الميم خلفا منه . كما قالوا : فم ، ودم ، وزرقم محذوف وستهم ، وما أشبه ذلك من الأسماء والنعوت التي يحذف منها الحرف « 6 » . واحتجوا بأنّ نحوها من الأسماء والنعوت إذا حذف منها حرف أبدل مكانه ميم ، ولمّا كان المحذوف من هذا الاسم حرفين كان البدل ميمين ، فأدغمت إحداها في الأخرى فجاء التشديد
--> ( 1 ) عن تفسير الطبري : 21 / 163 . ( 2 ) غير موجود في تفسير الطبري . ( 3 ) سورة الأحزاب : 22 . ( 4 ) سورة الأحزاب : 12 . ( 5 ) تفسير الطبري : 21 / 163 . ( 6 ) في المخطوط بياض صوّبناه من تفسير الطبري : 3 / 299 .